في الجزء الثاني، نستعرض حملاتٍ يفعل فيها توقيع المخرج أكثر من مجرد تزيين العلامة التجارية - إذ يغيّر منطق الإعلان نفسه: فقد تبدو العطر كأنه رقصة متوترة، ويمكن للمعطف أن يتحول إلى موضوع هوس، ويمكن لفيلم عطر أن يجري مثل كوميديا فرنسية صغيرة.
ويس أندرسون ورومان كوبولا لـ Prada Candy L’Eau، 2013
يبدو فيلم Prada Candy L’Eau، من إخراج ويس أندرسون ورومان كوبولا، كأنه كوميديا فرنسية صغيرة عن مثلثٍ عاطفي. تظهر ليـا سيدو في دور Candy وهي تتنقّل بين رجلين داخل عالمٍ متناظر تمامًا، مُصمَّم بأسلوب بصري أنيق من الألوان والديكورات والإيقاع، بما يكشف فورًا بصمة أندرسون. ونجحت الحملة لأنها لم تروّج للعطر عبر الإغراء المباشر أو عبر فكرة عامة عن الأنوثة، بل خلقت شخصية - نزقة، ذكية، مسرحية قليلًا، وبروح برادا الواضحة.
ويس أندرسون لـ Prada Castello Cavalcanti، 2013
Castello Cavalcanti هو فيلم قصير من إخراج ويس أندرسون لصالح برادا، وبطولة جيسون شوارتزمان. تدور القصة في إيطاليا في خمسينيات القرن الماضي: سائق سباقات يحطم سيارته في بلدة صغيرة، ثم يجد نفسه فجأة في مكان يبدو مألوفًا على نحو غريب. ويُعد هذا العمل واحدًا من أفضل الأمثلة على كيفية استخدام برادا للسينما ليس كإعلان مباشر، بل كوسيلة لتوسيع عالمها الثقافي الخاص - عبر السخرية، والأناقة، والأجواء الكلاسيكية، والتحكم البصري شديد الدقة.
سبايك جونز لـ Kenzo World، 2016 أخرج سبايك جونز واحدة من أقوى حملات العطور في العقد الأخير لصالح Kenzo World. تغادر مارغريت كواللي مناسبة رسمية مملة، ثم تبدأ فجأة بالرقص كما لو أن كل قواعد السلوك قد أُزيحت جانبًا: حركات حادة، تعابير وجه غريبة، ركض في الممرات، قفزات، جسدية غير مألوفة، ورفضٌ كامل لفكرة أن تكون جميلة بالمعنى الإعلاني التقليدي. ولهذا السبب بقي الفيلم راسخًا في الذاكرة: لأنه قدّم العطر لا من خلال وقفةٍ براقة، بل عبر الطاقة والتوتر والحرية الجسدية.
مارتن سكورسيزي لـ Dolce & Gabbana The One، 2013
رومان بولانسكي لـ Prada A Therapy، 2012
Prada A Therapy هو فيلم قصير من إخراج رومان بولانسكي، بطولة هيلينا بونهام كارتر وبن كينغسلي، وقد عُرض في مهرجان كان. تُبنى الحبكة حول جلسة علاج نفسي: تتحدث البطلة، ويستمع المعالج، لكن انتباهه ينتقل تدريجيًا إلى معطف برادا الذي ترتديه. تعمل الحملة عبر السخرية والعبثية: فالثوب يصبح أقوى من المسافة المهنية، ويتحول المنتج الفاخر إلى نقطة ضعف شبه كوميدية. واليوم لا يمكن ذكر هذا المثال من دون الإشارة إلى الجدل المحيط بشخصية بولانسكي، لكن في تاريخ فيلم الموضة يظل حالة لافتة.
فرانك ميلر لـ Gucci Guilty، 2010
أخرج فرانك ميلر حملة Gucci Guilty بأسلوب يذكّر مباشرةً بالعالم البصري لفيلم Sin City: مدينة مظلمة، أضواء نيون، سيارة، ليل، وتباينات بصرية حادة، مع إيفان راشيل وود وكريس إيفانز في أدوار شخصيات تنتمي إلى فانتازيا نوار. كانت الحملة سهلة التعرّف منذ اللحظة الأولى بسبب هذه الدراما المستوحاة من القصص المصوّرة - فلم يُقدَّم Gucci Guilty بوصفه عطرًا خفيفًا، بل كشيء أكثر خطورة، وأكثر إثارة، وأكثر سينمائية. كانت هذه حالة لم تكتفِ فيها العلامة التجارية باسم المخرج، بل استدعت أيضًا جمالية كاملة يعرفها الجمهور مسبقًا من السينما.
تُظهر هذه الحملات بوضوح سبب لجوء الموضة إلى السينما بهذا الشكل المتكرر. فالمخرج لا يضيف إلى العلامة التجارية صورة جميلة فحسب - بل يجلب معها طريقة كاملة في الرؤية: الإيقاع، والتوتر، والفكاهة، والغرابة، والرومانسية، أو الإحساس بالخطر. وبفضل ذلك، يتوقف المنتج عن كونه مجرد غرض داخل الإطار، ويبدأ في العيش داخل حكاية خاصة به.
ولهذا تبقى هذه الأعمال في الذاكرة مدة أطول من أي إعلان موسمي. فهي لا تُذكر فقط بسبب فستان أو حقيبة أو عطر، بل بسبب العالم الذي سحبت المشاهد إليه لبضع دقائق.